?لماذا يمثل الدعم القطري للإسلام السياسي تهديدا

انشر المعلومات

10/08/19


أتذكر سنوات الستينات و السبعينات فقط بشكل جيد للغاية. كانت ذروة الحرب الباردة على الصعيد الدولي. كانت هناك اضطرابات صناعية منتظمة في بريطانيا تغذيها نقابات العمال المتشددة وغالبا ما يكون كبار المسؤولين الإداريين والسياسيين دون كفاءة. كان الإتحاد الوطني لعمال المناجم في سبعينات القرن العشرين بقيادة آرثر سكارجيل شوكة في كيان الحكومات المتعاقبة مثل العديد من زملائه الشيوعيين السابقين ذوي الآراء الماركسية الواضحة . أصبح السؤال في الإنتخابات العامة عام 1974: من يحكم بريطانيا؟ خلال إضراب عمال المناجم خلال 1984/1985 حصل الإتحاد الوطني لعمال المناجم على تمويل من القذافي بليبيا والإتحاد السوفيتي.

بفضل نشر الأوراق الرسمية وعمل بعض الصحفيين المجتهدين نعرف الآن الكثير عن الجهود التي بذلها الإتحاد السوفياتي والأقمار الصناعية لأوروبا الشرقية لاستهداف النقابيين والسياسيين البارزين الذي يحتمل أن يكونوا عناصر مؤثرة. كانوا كثيرين وبتمويل جيد وقد نجحوا في بعض الأحيان. حدث الشيء نفسه في جميع أنحاء أوروبا الغربية بأكملها حيث كانت الأحزاب الشيوعية غالباً ما تكون أقوى منها في المملكة المتحدة.

يدرك وزراء الحكومة تمامًا تهديد ذلك على الأمن القومي ويعبرون على قلقهم الشديد باستمرار. أدان رئيس وزراء حزب العمل هارولد ويلسون عام 1966 قادة إضراب عمال الميناء ووصفهم بأنهم “رجال ذو دوافع سياسية”. قام رئيس وزراء ينتمي لحزب العمال أيضا جيمس كالاهان ووزير المالية دينيس هيلي في منتصف السبعينيات بالوقوف بشجاعة للضغط المستمر على أقصى اليسار في مؤتمرات حزب العمل المتعاقبة. في وقت لاحق إتخذت مارجريت تاتشر ونيل كينوك الذين ينتمون لطيف سياسي نقيض مواقف حازمة ضد أولئك الذين يعتقدون أنهم سعووا إلى إضعاف السياسة الديمقراطية والإقتصاد المفتوح.

فعلوا ذلك لأن الماركسية اللينينية كانت تهدف إلى عدم التقدم أو تحسين النظام الرأسمالي الليبرالي الذي شكل أساس الديمقراطيات البريطانية وغيرها من الديمقراطيات الأوروبية ولكن للإطاحة بها واستبدالها.

الماركسية اللينينية بأشكالها المختلفة ما زالت معنا لكنها تفتقر إلى دولة راعية حازمة. لقد تضررت القضية بشدة بسبب فشل الإتحاد السوفيتي على الأقل طالما بقيت تلك ذكرى راسخة. تأتي التهديدات الجديدة للديمقراطيات الليبرالية والإقتصادات المفتوحة من أماكن أخرى. أحد هذه المصادر هو الإستبداد الجديد الناشئ في الصين وروسيا وأماكن أخرى والذي يسعى إلى الإستفادة من فوضى المسار الديمقراطي والضغوط السياسية في أوروبا والولايات المتحدة والأدوات الرقمية الجديدة والمتطورة. هؤلاء المستبدون يرغبون بالتأكيد في إعادة التوازن إلى النظام العالمي لصالحهم لكنهم لا يريدون بشكل خاص إستبدال الأنظمة السياسية لأخرى مخالفة أو على الأقل ليس بعد.

الأمر ليس كذلك فمع تهديد آخر للديمقراطية الليبرالية يأتي تهديد الإسلام السياسي. نشرت صحيفة تايمز البريطانية تقريرين الأسبوع الماضي حول مبالغ ضخمة من التمويل توجهها قطر عبر بعض البنوك والمؤسسات الخيرية لقضايا إسلامية في بريطانيا. نشر صحفيان هذا العام في باريس أحدث إصدار في سلسلة من الكتب الفرنسية ” أوراق قطر” حول هذا الموضوع حيث يوردان فيها تفاصيل عن وجود شبكة ضخمة من التمويل القطري في جميع أنحاء أوروبا تهدف إلى إعانة القضايا والجماعات الإسلامية المتطرفة خاصة جماعة الإخوان المسلمين. يصف الكتاب ما يحدث باسم “التسلل” وهي كلمة شائعة الإستخدام لوصف التخريب الشيوعي المزعوم للمؤسسات الغربية التي عادت إلى الرواج في المملكة المتحدة كنتيجة لصعود جيريمي كوربين.

“نشرت صحيفة تايمز البريطانية تقريرين الأسبوع الماضي حول مبالغ ضخمة من التمويل توجهها قطر عبر بعض البنوك والمؤسسات الخيرية لقضايا إسلامية متطرفة في بريطانيا.” السيد جون جنكينز

لقد تسبب هذا في حدوث ضجة لكنه تحذير هام جاء في وقت مناسب. مبدأ عدم التدخل هو جزء ثابت من القانون الدولي حتى لو كان ما يعنيه عمليا أقل وضوحًا في عالم شديد الترابط. تتمتع الدول بحق كبير إن لم يكن مطلقا في السيادة وفي تدابيرها السياسية والإجتماعية والإقتصادية الداخلية طالما لا تشكل تهديدا للآخرين. لكن الإسلام السياسي مثل الشيوعية لا يسعى إلى التنافس مع الأنظمة الأخرى تنافسا وديا (أو غير ودي) بل يسعى لاستبدالها.

هذا موضوع حساس للغاية لكل من المسلمين وغير المسلمين. ولكن هذا لا يعني أننا يجب أن نظل صامتين فالمسألة ملحة للغاية. الإسلام السياسي هو التعبئة الهادفة للهوية الدينية والثقافية لصالح مؤسسة سياسية عنيفة أحيانًا ولكن دائمًا ما تكون ثورة اجتماعية وغالبًا ما تكون عابرة لحدود الوطن. في السعي لتحقيق هذا ، فإنه ينظر إلى الحضارة الإسلامية المعقدة والمتنوعة والغنية من خلال عدسة تاريخية مطلقة ومعدومة مطالبة بالحق الحصري في تحديد الطبيعة الدقيقة للإسلام والهوية الحقيقية للمسلم. يمكن أن يكون هذا شموليًا وهو بالتأكيد يزعزع الإستقرار بشدة. لمحة مختصرة حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشير إلى عدة أسباب تدعم عذه الفرضية. إنها مضرة بنفس القدر خارج البلدان ذات الأغلبية المسلمة حيث أصبح التماسك الإجتماعي والهوية الوطنية من الأمور التي تثير قلقًا كبيرًا في ظل الإضطراب الإقتصادي وتزايد الشعوبية الوطنية.

كانت المملكة العربية السعودية ذات مرة راعية للعديد من الجماعات الإسلامية على مستوى العالم وذلك لعدة أسباب معقدة يتعلق البعض منها بالتهديد من مصر بزعامة ناصر وغيرها من أنواع العروبة العابرة لحدود الوطنية وبعضها بلا شك يتعلق بثقة خاطئة في أن قادة جماعة الإخوان المسلمين يريدون ببساطة الترويج للإسلام. عندما أجرى الأمير الراحل نايف حديثه الشهير بحلول عام 2002 حول الموضوع في جريدة السياسة الكويتية كانت تلك الأوهام قد تحطمت بشكل جيد بالفعل والمملكة تسعى الآن نحو طرق أخرى.

يبدو أن قطر لا ترغب في أن تعتبر من تلك الدروس لأسباب مازلت لا أفهمها على الرغم من الوعود المتكررة لزملائها في الخليج. يبدو أن تركيا تحذو حذوها ليس فقط في أجزاء من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ولكن في ألمانيا والنمسا ومنطقة البلقان وهذه مشكلة كبيرة وستظل كذلك ما دامت جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من أشكال الإسلام السياسي تتلقى دعم الدولة في محاولاتهم ليس فقط لاستبدال الأنظمة السياسية والإجتماعية والإقتصادية المحلية بل بأحد الخيارات التي يختارونها.

• السيد جون جنكينز أحد أكبر الباحثين في بوليسيشنج إكستشينج.كان مديرًا مراسلًا (الشرق الأوسط) في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في المنامة بالبحرين حتى ديسمبر 2017 وكان أحد كبار الباحثين بمعهد جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل وكان السفير البريطاني في المملكة العربية السعودية حتى يناير 2015.

تنوية:الآراء التي عبر عنها الكتاب في هذا القسم هي آرائهم ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر عرب نيوز.

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في عرب نيوز

إذا كنت تريد أخبار أو أشرطة فيديو أكثر إثارة للاهتمام من هذا الموقع اضغط على هذا الرابط عرب نيوز


انشر المعلومات