عودة الدولة

انشر المعلومات

02 يوليو 2018

في النظام الدولي لا شيء يعادل قيمة الدولة ذات السيادة والحدود، وحقها الأصيل في الدخول للمؤسسات الدولية وبناء العلاقات مع الدول والمؤسسات، فالنظام الدولي الحالي والمستقر لا يعرف التعامل إلا مع الدول المعترف بها والمستقرة، وحين تحل الفوضى وعدم الاستقرار يصبح التعامل عبر مؤسسات تابعةٍ للمؤسسات الدولية لا للمؤسسات الدولية ذاتها، تلك المعنية بالأمن أو الإغاثة أو الحقوق، وتدخل في ذلك المؤسسات المدنية المستقلة ووسائل الإعلام ونحوها.

وفي لحظات الاختلال الكبرى في موازين القوى الدولية يتكشف الواقع عن أحوالٍ لا تنطبق عليها القوانين الدولية، ولا يشملها النظام الدولي المستقر، وأقرب مثال هو ما تعيشه منطقة الشرق الأوسط اليوم، حيث هناك صراعات كبرى تنتهك كل القوانين الدولية وتعمل خارج المنظومات الدولية، وخرج من رحم هذه الصراعات والعجز الدولي تجاهها، واقع جديد، يحتاج لمفاهيم جديدة لتوصيفه وسياسات جديدة للتعامل معه.

«دولة الميليشيات» و«دولة الملجأ» و«دولة المخبأ» هي دول جديدة ظهرت على السطح والنظام الدولي يبدو عاجزاً عن التعامل معها، لأنه لا يفهمها ولا يستطيع أن يضعها في إطارٍ صحيح، المثال على الأولى هو العراق وسوريا ولبنان واليمن، فهذه دول تؤثر فيها بشكل كبير أو تعمل داخلها بسهولة ويسر أو تحكمها ميليشيات مسلحة مؤدلجة، تنتمي لمشروع سياسي تقوده دولة مجاورة ذات مشروع إقليمي نشط، وهي إيران ما بعد 1979، أي دولة الملالي المؤدلجة كلياً، الدولة التي سعت للعمل بالحد الأدنى مع المؤسسات الدولية والنظام الدولي بما يحفظ لها مسمى الدولة، والتي استفادت من صراعات الحرب الباردة لتبني نموذجاً يشبه إلى حدٍ ما كوريا الشمالية، وإن كانت إيران أخطر بكثيرٍ من كوريا لأسبابٍ متعددةٍ سبق شرحها في هذه المساحة.

الدولة الملجأ أو الدولة التي بشبه اعترافٍ دولي أو باعترافٍ دوليٍ كاملٍ وتسعى إلى جمع شتات من ينقض المؤسسات الدولية ويرفض واقعها واستقرارها، ويسعى لنشر الفوضى والإرهاب، تحت مسميات ومبرراتٍ عدةٍ، والنموذج هو دولة «طالبان» التي جعلت من أفغانستان ملجأ لابن لادن وتنظيم «القاعدة» وبقية الأفغان العرب، وهو يتمثل -كذلك- في دولة إقليمية كبيرة لديها مشروع معروف في المنطقة برعاية الأصولية والإرهاب، وهي أصبحت ملجاً معاصراً لكل جماعات العنف الديني من «الإخوان» إلى «داعش»، مع الاختلاف المعروف بين النموذجين المعروضين هنا، ومثل ذلك تسمية تنظيم «داعش» لنفسه بـ«الدولة الإسلامية».

الدولة المخبأ سبق شرحها في هذه المساحة، ولكن للتذكير فهي الدولة التي تجعل من نفسها مخبأ للإرهاب والأصولية، تخبئ فيها وتنطلق منها وبرعايتها المؤامرات ومخططات الإرهاب وتشكل ملاذاً آمناً لكل الإرهابيين حول العالم، والنموذج الأبرز هنا هو دولة قطر، والفارق بين النموذجين الأخيرين، هو أن الدولة الملجأ تسمح بوجود هؤلاء بينما الدولة المخبأ تطالب بهم وترعاهم وتدعمهم وتنخرط معهم في مخططاتٍ مشتركةٍ لنشر الإرهاب والتخريب.

قوة المفاهيم وتأثيرها لا تقل عن قوة السياسة وقراراتها، وخلق المفاهيم الجديدة التي تتواكب مع التطورات السياسية وتطور التاريخ مهمة في القراءة والفهم، كما في التوصيف والجدل المستحق، ومن أمثلة ذلك ضرورة إبراز مفهم «استقرار الفوضى» الذي يستطيع اختزال وتوصيف حال العديد من الدول أثناء ما كان يعرف بـ«الربيع العربي»، ومن ذلك التلاعب الكبير من قبل الجماعات الأصولية أثناء «الربيع» الأصولي الإرهابي بمفاهيم عالميةٍ مثل الحقوق والمساواة والديموقراطية وخداع الغرب باستخدامها وتعبئتها بمفاهيم أصولية بحتة، تناقض المعنى الحقيقي لتلك المفاهيم في الغرب.

أخيراً، فكل التحولات التي تجري في المنطقة والعالم يمكن التعامل معها بشكلٍ أفضل حين تتم قراءتها بأشكالٍ مبتكرةٍ مع التسلح بمفاهيم جديدةٍ تكون أكثر فائدةٍ من سابقاتها.

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في Celebitchy

إذا كنت تريد أخبار أو أشرطة فيديو أكثر إثارة للاهتمام من هذا الموقع اضغط على هذا الرابط Celebitchy Home


انشر المعلومات