عالمنا قبل وبعد محمد بن سلمان

انشر المعلومات

23 يوليو 2018

صحافي في جريدة “نيويورك تايمز” الأميركية زار السعودية وشهد التحولات السريعة التي حدثت خلال وقت قصير. النساء السعوديات يقدن سياراتهن بعد حرمان لعقود ويعملن بحرية وبمجالات عمل جديدة. مشاريع واستثمارات ضخمة تهدف لتغيير جذري للاقتصاد بعيداً عن النفط. اختفى صوت المتطرفين الذي كان حتى وقت قريب يلعلع ويخلق أزمات متلاحقة أسهمت في تقسيم المجتمع. وباختصار المجتمع السعودي يعيش مرحلة جديدة وذرات التفاؤل تملأ الهواء.

تحت هذه الملاحظات كان العنوان العريض للمقال “الأمير الذي سيعيد صياغة العالم”. السعودية تملك قوة ناعمة كبيرة على ملايين المسلمين والعرب. تحولها إلى بلد باقتصاد عصري يصدر الانفتاح والتسامح سيكون له تأثير واسع. النجاح معد، دول كثيرة ستتأثر بنموذجها وأخرى ستقلدها. ثقافة التسامح الديني ستكتسب زخماً وشرعية غير مسبوقتين وستؤثر على العقول والقلوب. مشروع هذا التغيير الحضاري والتحديثي سيتعدى حدود السعودية ويسهم في تغيير المنطقة وبالتالي العالم ومن هنا أتى عنوان المقال.

وبالفعل يمكننا أن نلحظ الاختلاف بين عالمين بوضوح. العالم قبل وبعد محمد بن سلمان. سابقاً شعر كثيرون باليأس من أن جحافل المتطرفين ستزول يوماً ما، وكان الأمل بأن لا تختفي ثروة النفط سريعاً من باطن الأرض ونتوه في الطريق. ولكن في عالم ما بعد محمد بن سلمان نعيش الآن في واقع مختلف تماماً. روح إيجابية استبدلت اليأس مع رؤيتنا بأعيننا تبخر خطاب المتشددين البغيض. وبعد أن كان يراقب الناس بقلق هبوط قيمة النفط، بات الجميع ينظر بأمل إلى المستقبل وتحديدا عام 2030.

مزيج الفكر المستنير والاعتدال والتنمية والأفكار الاقتصادية العصرية المفروضة من قيادة قوية وشجاعة، هي الحل الوحيد للمنطقة سيئة الحظ التي نعيش فيها. وهذا يعكس إدارة ولي العهد السعودي ويمد العالم بالتفاؤل لإخراج المنطقة من حالها المتردي الذي حدث لأسباب كثيرة حتى بات يطلق عليها الحي السيئ في العالم.

إنه الحي الذي يترعرع فيه المتطرفون ويتخرج منه الإرهابيون ويحكم فيه القتلة والملالي المهوسون. يعاني من البيروقراطية الحكومية، يرتع فيه الفاسدون وتخرّج الجامعات التقليدية طلاباً بلا مهارات حديثة. مشكلته توسعت ووصلت للخارج مع فشل الدول وانهيارها ونشوء موجات المهاجرين وكذلك مع صعود الجماعات الإرهابية التي لم تكتف بالتفجير في القاهرة وبغداد بل تعدتها إلى لندن وبرلين ونيويورك. مشكلة هذا الحي أصبحت مشكلة العالم كله، خصوصا مع غياب نموذج ناجح قادر على فتح فجوة في الجدار السميك وإحداث تغيير جوهري وإدخاله إلى العالم الجديد. ورغم الوعود الوردية المتكررة من قيادات بمحاربة المتطرفين والمنتفعين وتغيير الماكينة القديمة للاقتصاد وتحديث التعليم، إلا أنها لم تتحقق وحدث العكس مرات عديدة. فحرب التطرف انتهت إلى حرب دعائية هدفها التجميل والتسويق وانتهت إلى إنتاج مزيد من المتعصبين، والقضاء على الفساد تحول لشعار بلا تطبيق وهبطت جودة التعليم إلى ذيل القائمة.

بسبب كل هذا فإن التغيير الذي أحدثه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في السعودية في العامين الماضيين ورؤيته لمستقبل بلاده سيكون له تأثير إيجابي مؤكد بسبب مكانة السعودية وقوتها المالية والرمزية على المنطقة كلها والعالم. وبلا وعود وخطب مطولة، شاهدنا الأفعال تسبق الأقوال. فخطاب الحرب على التطرف في السعودية خطاب صريح بوجه واحد، هدفه تدمير الإيديولوجية المتطرفة بشكل كامل. وعندما قال الأمير محمد بن سلمان جملته المشهورة “سندمر المتطرفين الآن وفورا”، كانت الحكومة قد بدأت بخنق خطاب المتطرفين والداعين لأخونة وصحونة السعودية وإعادتها حرفياً إلى عصور الظلام. حدث العكس، دفن خطاب التطرف وغاب عرّابوه من المشهد وازدهر خطاب التسامح والاعتدال وعادت الحياة الطبيعية إلى المجتمع السعودي الذي لم تكتسحه الإيديولوجيات المتطرفة قبل عام 1979.

هدم حلم المتعصبين ليس فقط داخل السعودية ولكن بالخارج وهذا ما يفسر الحملات الشعواء المستمرة لأنها تعكس حجم المرارة والخيبة من هزيمة المشروع الظلامي الذي كان يرى السعودية الجائزة الكبرى (ولهذا أيضا تستهدف القاعدة وداعش السعودية بشكل أساسي).

ولكن الإرهابيين والمتطرفين لا يخرجون فقط من عباءة التنظيمات والجماعات المتطرفة ولكن أيضا الحكومات، كما تفعل الدوحة التي تحولت إلى مكب للغلاة وبنك لتنظيمات الإرهاب السنية والشيعية. وبدون اتخاذ تدابير تمنع الحكومة القطرية من تمويل الجماعات الإرهابية ودعم المتطرفين، فمن الصعب تطهير المنطقة من هذا الوباء المميت. ومن هنا تظهر الأهمية الكبيرة للمقاطعة الرباعية التي تهدف إلى قلب الصفحة الأخيرة من فصل التطرف والإرهاب من أجل الدخول إلى العصر الجديد، حيث تسود قيم التسامح والتعايش والعمل والمنافسة، بدون الخوف من صعود جماعات إرهابية ممولة بالمليارات القطرية تنشر الجرائم والفوضى كما حدث سابقاً.

وفي ذات السياق نفهم المواجهة القوية والحاسمة لجماعة الحوثيين في اليمن والأذرع الإيرانية المختلفة لأنها تسعى لهدم النظام الدولي وبالتالي زعزعة استقرار المنطقة. وكما نرى في العراق وسوريا ولبنان واليمن، انتصار النموذج الإيراني يلغي أي أمل بمستقبل مشرق لملايين الناس والميليشيات المتطرفة تتحكم بحياتهم.

وتتصادم هذه الرؤية التخريبية السوداوية للعالم مع رؤية السعودية الجديدة المشرقة للحياة والمستقبل وهي أملنا الكبير لصياغة العالم من جديد على هيئتها هذه المرة.

 

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في العربية

إذا كنت تريد أخبار أو أشرطة فيديو أكثر إثارة للاهتمام من هذا الموقع اضغط على هذا الرابط العربية


انشر المعلومات