الوجه: الأميرة طرفة بنت فهد آل سعود، فنانة

انشر المعلومات

05/03/2020

مثل أي شخص آخر، لدي قصتي الخاصة. في بعض الأحيان، في الليالي التي كنت أشعر فيها بالحنين، كنت أطلب من والدتي أن تحدثني عن طفولتي. “كنت مطيعة”، كما قالت، “فتاة حلوة تستمع دائمًا إلى ما يقوله والداها. في نظرها كنت هادئًة، كان لدي العديد من الأصدقاء، كنت طفلة تتمتع بصحة جيدة وكذلك إخوتي الثلاثة الذكور وأختي.

لكنني أتذكر قصة مختلفة. نعم، كنت بالطبع طفلة سعيدة وكنت بالفعل في صحة جيدة – لكنني كنت غير مطيعة ونادراً ما كنت هادئة. أتذكر أنني كنت أحب المغامرة. أحببت الاستكشاف وكنت أرغب دائمًا (وفعلت) بالانضمام إلى الصبيان في مغامراتهم ومؤامراتهم ومقالبهم المجنونة، وخاصةً تلك التي تشمل ركوب الدراجة رفقة أخي الأكبر.

ومع ذلك، لم أكن عنيفة. لقد كان لدي حياة داخلية وتقوقعت على نفسي لفترة من الوقت، حيث خلقت عالماً أعيش فيه.

في الوقت الذي كنت فيه في الصف السادس، كنت قد أنجزت أول قطعة فنية، لوحة مجردة. لست متأكدة مما إذا كنت أعرف ما الذي قمت بإنشائه في ذلك الوقت ولكني كنت أعرف أنه كان ذا قيمة. لم تعجب بها المعلمة وأتذكر جيدًا مدى خيبة أملي عندئذ لأنها لم تفهم أهمية ما أنجزته بالنسبة لي. وصرت أفكر كثيرا منذ أول يوم.

إحدى اللحظات الحاسمة في حياتي كانت بعد إنجاب طفلي الأول. ما زلت لا أستطيع شرح مدى أهمية ذلك بالنسبة لي أنا كشخص ولذاتي ولهدفي في الحياة. تزوجت وأنا شابة، لذلك أنجبت أول طفل في بداية رحلتي، عندما كان عمري 20 عامًا فقط. كنا نكبر معا، ونتعلم معا، ونستكشف ما يقدمه العالم معا.

ولكن للأسف، لم يتحقق هذا الحلم بالكامل. فبعد أن أكمل عامه الأول، تمّ تشخيص سعود بسرطان الدم، بينما كنت حاملاً بطفلي الثاني، ابنتي الجميلة نورا. وبعد سنوات من الكفاح، توفي بطلي الصغير في سن الثانية عشرة.

طفلايا الآخران، نورا ويزيد، هما حياتي. على الرغم من أنني أشركهما  دائمًا في نقد أعمالي الفنية، إلا أنني أعلم في أعماقي أنهما أكبر معجبي. أحبهما وأفتخر بهما في كل دقيقة أقضيها معهما وأنا أعلم أنني أشعر بالامتنان لأن يكون لدي مثل هذين الطفلين الذكيين والمبهرين. وكانت مشاهدتهما وهما يكبران، وطموحاتهما تنمو معهما، نعمة.

دعيت قبل فترة للحديث في جامعة الفيصل بالرياض، حيث تدرس نورا، وألقيت خطابا بعنوان: “الروح الإبداعية والعالم المهيكل”. عندما رأيت هؤلاء الشباب الشغوفين يحدقون بي بفضول شديد، ويستمعون إلى كل كلمة أقولها، أدركت كم أحب مساعدة الشباب؛ لقد كان تقديرهم مؤثرا.

لطالما كانت مساندة الشباب هدفًا بالنسبة لي؛ لمساعدتهم على الانغماس في الحياة ومواجهتها بطمأنينة، والتكيف عندما تكون التحديات شديدة  جدا ليتعاملوا معها. لهذا السبب اعتقدت دائمًا أن الإبداع مهم جدًا: فهو يوفر للشباب الأدوات التي يحتاجونها لشق طريقهم في ظل صعوبات الحياة.

لقد علمتني تجربتي مع الحزن الكثير عن نفسي، وعن الطبيعة البشرية، وكيف يسير العالم. الأهم من ذلك، لقد علمتني أن أقدّر ما لديّ، وما كان لديّ وما سأقدمه في المستقبل لإيجاد التوازن والصفاء في أي مكان مليء بالفوضى.

أنا انسانة روحانية. وأعتقد أن كل شيء يحدث لسبب ما وأن الله لديه خطة لكل واحد منا. كجزء من رحلة الشفاء الخاصة بي، بدأت أستكشف وأغوص أكثر في الفن. لقد وقعت في حب ما وجدته. قررت أن أدرس للحصول على شهادتي في الفنون البصرية في الثلاثينات من عمري، ومن هناك بدأت حياتي المهنية كفنانة. قبل ذلك كنت هاوية في أحسن الأحوال، من نوعية الأشخاص الذين يتجولون دائمًا مع كراسة الرسم في حقيبتهم.

في تراثنا الثقافي، اعتاد الشعراء أن يزعموا أن الإبداع جاء من مكان سحري يسمى “وادي أبقر”، حيث عقد المبدعون صفقات مع الشياطين للحصول على الإلهام. هذه القصة، على الرغم من أنها رمزية، تقول الكثير عن العمل في مجال إبداعي.

كونك فنانًا يعني أن تملك نمط حياة وطريقة معينة لرؤية العالم. كونك فنانًا يعني أنك تستكشف باستمرار وتتساءل وتناقش حول كيف يكون العالم أو كيف ينبغي أن يكون. باختصار، كونك فنانًا يعني امتلاك روح متحررة: جامحة وجريئة. كونك فنانا هو عمل بدوام كامل، لأنك تعمل دائما مع نفسك الإبداعية. ومعظم الناس يعرفون ذلك؛ هذا هو السبب الذي يجعل الناس يوجهون أعينهم نحوي دائمًا عندما أخبرهم أنه بالإضافة إلى كوني فنانة، فأنا مدربة حياة.

عندما كنت صغيرة، أردت دراسة أحد أمرين: الفنون الجميلة أو علم النفس. أعلم الآن أن الأشياء التي نريدها عندما نكون صغارًا تجد دائمًا طريقة للظهور مجددا وتطاردنا، كما حدث معي حتى بدأت حياتي المهنية كفنانة، ودرست العلاج بالفن، وأصبحت مدربة معتمدة للحياة.

التدريب على الحياة والفن، بالنسبة لي على الأقل، يتقاطعان في العديد من المستويات. في مرحلة ما، بالكاد أستطيع أن أرى هذا الخط الرفيع الذي يفصل بينهما.

هناك قول مأثور: “المواهب تصيب هدفًا لا يمكن لأحد أن يصيبه، والعبقرية تصيب هدفًا لا يستطيع أحد رؤيته”. لن أذهب إلى حد القول بأن كل فنان هو عبقري، لكن هذا هو هدف كل فنان: فهم وعرض شيء لا يمكن لأي شخص آخر رؤيته؛ لكشف ما خفي.

الأمر نفسه ينطبق على التدريب على الحياة. الهدف هو الكشف عن الشخص الذي الخفي داخلك أو ما لا يمكن رؤيته، ومساعدتك خلال رحلة تحقيق الذات. هذا هو جوهر التدريب على الحياة.

بعد قضاء عام ونصف في مؤسسة مسك، والعمل مع معهد مسك للفنون، والقيام بما أحبه وأستمتع به، تبلورت قصتي، فتحت نافذة تطل على مستقبل حياتي، ورأيت ما أردت: أنا أركز على عملي وفني وهواياتي. لذا تركت وظيفتي هناك وبدأت عملي كمستشارة ثقافية وإبداعية، حيث أتيحت لي الفرصة للعمل في العديد من المشاريع المثيرة، أحدها كان فيلم “Born a King”.

الآن، أقضي أيامي في الاستوديو الخاص بي، مع التركيز على فني، وتطوير وتجربة العملية الإبداعية، سواء كان ذلك من خلال الرسم أو الوسائط الأخرى. إن توثيق مشاهد الحياة اليومية التي تبدو مملة للشخص العادي هو أحد هواجسي: بالون عائم، طيور، ورود منسية في الشارع – أحب البحث عن الجمال حيث لا يهتم أي شخص آخر برؤيته.

يوم مثالي بالنسبة لي يشمل اليوغا، وقضاء بعض الوقت للعائلة، والفن، ولحظات من الوعي الذاتي، ومحادثات عميقة مع أشخاص مثيرين للاهتمام، ووجبة جيدة وقليل من المطر. لماذا المطر، قد تسألني؟ لأنه عندما تمطر، أخرج الكانفاس (لوحة تتطلب عملا شاقا)، وأدع السماء تعبر عن نفسها بمساعدة الألوان.

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في عرب نيوز

إذا كنت تريد أخبار أو أشرطة فيديو أكثر إثارة للاهتمام من هذا الموقع اضغط على هذا الرابط عرب نيوز


انشر المعلومات