الشيرازيون.. سردية البكاء والحزن الأبدي!

انشر المعلومات

22 يوليو 2018

حسن المصطفى

الحلقتان السابقتان، الخامسة والسادسة، من سلسلة “العربية.نت” عن آل الشيرازي، اللتان تناولتا موضوع “الفضائيات الدينية”، أثارتا العديد من التعليقات، سواء بين جمهور هذه القنوات، أو الناقدين لها، الأمر الذي يشي بعظمِ الدور الذي تلعبه، وهو ما يجعل تتبع خطابها وتحليله أمراً في غاية الأهمية.

الحزن الأبدي!

“هذه القنوات تغرقنا في البكاء”، تقول إحدى القارئات من مدينة القطيف شرق السعودية، مشيرة إلى الأثر النفسي العميق للفضائيات الشيرازية. وهو أثر لا يُصيب المتابعين لها فحسب، بل يتعداه إلى عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي.

القراءات الحسينية التي تبثها القنوات الدينية المحملة بالحسرة والأسى، والمُسندة بروايات عن آل بيت رسول الله دون تدقيق في صحتها، والتي تساق ضمن خطاب ما ورائي، غيبي، تدعمه الرؤى والمنامات، وقصص الكرامات التي لا يوافقها عقل. كل هذه الميثولوجيا تبلغ ذروتها بمواكب التطبير والضرب بالسلاسل و”ركضة طويريج”، وكأننا أمام صورة من مشاهد “القيامة”!.

هذا القلق والحزن يصبغ الشخصية الشيعية بحالة من السوداوية، تُشعرُ الفرد الذي يعيش في القرن الواحد والعشرين بالمسؤولية عن جريمة وقعت قبل نحو 1338 سنة، حين قُتل الإمام الحسين وآل بيته في معركة كربلاء. وكأن صوت استغاثة الحسين “ألا من ناصر ينصرنا”، مازال يطرق سمع شيعته ويشعل فيهم وجعاً لا نهائياً، وشعوراً بالتقصير وعدم العون!.

البكائية امتدت لاجتراح مواسم حزن جديدة، مثل “العشرة الفاطمية” و”العشرة الزينية”، تضاف إلى ما جرت عليه العادة في عاشوراء.

الشخصية الحزينة بطبيعتها لا يعنيها المستقبل، فهي غارقة في مصائبها التي تجدها لا متناهية. متحولة إلى شخصية سلبية، لا تفكر في إعمار الدنيا، وإنما تتوق إلى الآخرة التي تعتقد أن شفاءها فيها، حين ترى راية الحسين خفاقة يوم المحشر، مضيئة باسقة، فيما قتلته يعذبون في النار. ساعتها يزول ذلك الحزن، وترجع البسمة إلى فاطمة بنت محمد، التي ماتت كمداً وحزناً على ابنها.

رئيس تحرير مجلة “الساحل” الشيخ حبيب آل جميع، يعتقد أن “البكائيات تقتل روح الحياة لدى الفرد، وتعطل العقل، وتجعل المجتمع خاملاً، متخلفاً في فهمه”، مبيناً أن “ما أمرنا به أئمة آل البيت من استذكار سيرتهم وما حل عليهم من مصائب، لا يعني العيش في غياهب التاريخ، وإنما أخذ العبرة والدروس لصناعة المستقبل، واستلهام ذلك من خلال قيمهم وأخلاقهم”. معتبراً أن ما يحصل الآن “تحريف لكثير من سيرة الإمام الشهيد الحسين بن علي، وتشويه لقيمه الكبرى”.

التفكير الأقلوي!

العام 2004 في حي السيدة زينب، القريب من العاصمة السورية دمشق، التقيت السيد مرتضى الشيرازي، نجل المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي.

الجلسة التي حضرها مجموعة من طلبة العلوم الدينية، من بينهم الشيخ حبيب آل جميع، والشيخ سامي بوخمسين، والشيخ أمين آل عمار.. هذه الجلسة شهدت حديثاً من قبل الشيرازي عن مشروع قناة “الأنوار”، قائلاً إنها محطة لعموم الشيعة ولا تخص تياراً واحداً. شارحاً عن المصاعب التي واجهت فريق العمل، ومن بينها الموسيقى، وكيف سيستعيضون عنها بأمر آخر. مبيناً أن “الله فتح على الإخوان ووجدوا حلاً بعد أشهر من العناء”، قاصداً بهذا الحل “المؤثرات الصوتية”!.

بعد انتهاء الشيرازي من حديثه، توجهت إليه بالتعليق مبيناً أن هذا الموضوع التقني لا دخل لله عز وجل فيه، بل هو يتعلق بأمور فنية بحتة. كما أن عدم وضع الموسيقى تصرفٌ لا معنى له، لأن هنالك فقهاء شيعة كثراً يجيزون الاستماع إلى الموسيقى ولا يحرمونها، وبالتالي فلا حاجة لأن نضيق الخيارات، خصوصاً أن القناة هي لعموم الشيعة، وليس للتيار الشيرازي وحده. وهو التعليق الذي لم يرق لضيفنا الكريم.

القصة التي حدثت قبل نحو 14 عاماً تبين التفكير الأقلوي لدى القائمين على هذه القنوات، وكيف أنها رغم ادعائها أنها لا تمثل البيت الشيرازي وحده، إلا أن الواقع يؤكد كيف أن موضوعاً فقهياً بسيطاً وتفصيلاً هامشياً ضئيلاً لم تستطع أن تخرج فيه عن وجهة نظر مرجعيتها الخاصة التي تحرم الموسيقى، فكيف يكون بإمكانها أن تنفتح على باقي الآراء المخالفة والناقدة!.

الانشقاق!

هذا الانغلاق على الرأي الواحد، وقفت ضده كوادر شيرازية منذ البداية غير مؤيدة لفكرة الفضائيات، معتقدة أنها خلاف ما اعتادوا عليه إبان فترة العمل الحركي والسياسي لمرجعية آية الله السيد محمد الشيرازي.

“الأنوار” التي بدأت ممثلة لمرجعية السيد صادق الشيرازي، اختطت لنفسها نهجاً بعيداً عن السياسة، وهو ما خلق خلافات تالياً بين فريق إدارتها، ليتم تأسيس قناة “الأنوار 2″، التي يشرف عليها الإعلامي العراقي أزهر الخفاجي.

الخفاجي وفي حوار مع مجلة “الهدى” في يونيو 2017، أشار إلى أن انطلاقة القناة أتت “استجابة لمتطلبات ضرورية في العراق وفي المنطقة، وقد مثّلت منبراً لإعلام صادق وشجاع يتصل بمدرسة الإسلام المحمدي الأصيل، وفي مرحلة في غاية الخطورة حيث كان العراق يتعرض لغزو خارجي، إضافة إلى مجموعة من العناصر من بقايا النظام البائد”، بحسب وجهة نظره.

“الأنوار 2″، يجد متابعها أنها ابتعدت عن البيت الشيرازي في كثير من تفاصيلها، وباتت أقرب إلى الخط السياسي والفكري الإيراني. حيث نشاهدُ خطاباً متناسقاً مع شعارات “الحشد الشعبي” و”كتائب حزب الله العراق”. ما جعلها تنال مشاهدة أوسع في الداخل العراقي الشيعي، وحضوراً أيضاً في وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب نهجها “الثوري”.

السياسة المستترة!

رغم ابتعاد أغلب القنوات الدينية الشيرازية عن الشأن السياسي، إلا أنه وبعد أن اعتقلت السلطات الإيرانية السيد حسين الشيرازي، في مارس الماضي، شكلت قناتا “فدك” و”الإمام الحسين” رأس الحربة في الحملة الإعلامية الواسعة التي أطلقها التيار الشيرازي ضد السلطات الإيرانية.

وخصصت هاتان القناتان نشرات إخبارية وتقارير تتابع تطورات الحدث. كما استضافت شخصيات دينية شيعية توجه نقداً لاذعاً لطهران، ولمبدأ ولاية الفقيه، وأيضاً لشخص وفكر المرشد الحالي آية الله خامنئي، وسلفه الإمام الخميني.

الحملة الإعلامية واكبتها تحركات ميدانية واعتصامات في أكثر من مدينة، وصلت إلى اقتحام مبنى السفارة الإيرانية في العاصمة البريطانية لندن، وإنزال العلم الإيراني، وتعليق علم خاص بجماعة ياسر الحبيب على سطح السفارة، وهو ما يطرح السؤال عن حقيقة ابتعاد هذه الفضائيات عن السياسة.

تفسير الظاهرة!

التيار المرجعي الذي كان ينظر له رائداً في مجال العمل الإسلامي، ما الذي جعله يتراجع فكرياً ويتحول إلى خطاب متشرذم مفكك ثقافياً؟

قد يكون الجواب السهل هو أن العقل المفكر للتيار، ألا وهو السيد محمد الشيرازي، رحل ولم يعد موجوداً. إلا أن هنالك أسباباً موضوعية أخرى، أهمها:

1. عدم امتلاك السيد صادق الشيرازي رؤية ثقافية وتجربة حركية مثل التي كانت موجودة لدى أخيه السيد محمد. وعدم تمتعه بذات الشخصية الكارزمية المؤثرة، والتي كانت بمثابة مظلة يجتمع تحت عباءتها جميع الشيرازيون باختلاف أفكارهم وتوجهاتهم.

2. تغلب التيار المرجعي على التيار الحركي الحزبي. حيث نجد أن شخصيات مثل العلامة السيد محمد تقي المدرسي، وأخيه السيد هادي، ممن يمثلون التيار الحزبي السياسي، تراجع دورهم، ولم تعد لهم شعبية كبيرة وأتباع، وبالتالي فقد “الحركيون” زخمهم، مما رجح كفة التقليديين داخل البيت الشيرازي.

3. انتهاء مشاريع العمل السياسي المعارض. فتنظيم “الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين” لم يعد له وجود. و”الحركة الإصلاحية” في السعودية قامت بحل بنيتها وانخرطت في العمل الوطني داخل المملكة وتحت سقف القانون. فيما “منظمة العمل الإسلامي” عادت إلى العراق بعيد سقوط نظام صدام حسين. وبالتالي فالفاعلية السياسية حل مكانها الخطاب الذي تبثه الفضائيات الدينية!

الخطاب الشعائري الذي سيطر على كثير من الأذرع الإعلامية للتيار الشيرازي، كانت الاستثناءات فيه قليلة، ومن ضمنها “شبكة النبأ المعلوماتية”، التي يشرف عليها الشيخ مرتضى معاش، ويتسم خطابها بقدر من الموضوعية والاعتدال، والقرب إلى الطرح الفكري للمرجع الراحل السيد محمد الشيرازي.

المنتقدون للنهج الشعائري المغالي، لم يستمع لصوتهم داخل البيت المرجعي، ولذا فضلوا الخروج منه، وهو ما ستتناوله الحلقة القادمة من سلسلة “العربية.نت” عن آل الشيرازي.

تم نشر هذه المقالة لأول مرة في العربية

إذا كنت تريد أخبار أو أشرطة فيديو أكثر إثارة للاهتمام من هذا الموقع اضغط على هذا الرابط العربية


انشر المعلومات